الخطيب الشربيني
89
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
عصاك انتهى . وإنما احتاج إلى تقدير وقيل له ألق لتكون جمله خبرية مناسبة للجملة الخبرية التي عطفت عليها لأنه يرى في العطف تناسب الجمل المتعاطفة ، والصحيح كما قاله أبو حيان : أنه لا يشترط ذلك . ولما تشوّفت النفس إلى ما قيل له عند هذه الحالة أجيب : بأنه قيل له يا مُوسى لا تَخَفْ أي : منها ولا من غيرها ثقة بي ، ثم علل هذا النهي بقوله تعالى : مبشرا بالأمن والرسالة إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ أي : عندي الْمُرْسَلُونَ أي : من حية وغيرها لأنهم معصومون من الظلم لا يخاف من الملك العدل إلا ظالم . وقوله تعالى : إِلَّا مَنْ ظَلَمَ فيه وجهان : أحدهما : أنه استثناء منقطع ، لأنّ المرسلين معصومون من المعاصي وهذا هو الصحيح ، والمعنى لكن من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف إلا من تاب كما قال تعالى : ثُمَّ بَدَّلَ أي : بتوبته حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ وهو الظلم الذي كان عمله أي : جعل الحسن بدل السوء كالسحرة الذين آمنوا بعد ذلك بموسى عليه السّلام فَإِنِّي أرحمه بسبب أني غَفُورٌ أي : من شأني أن أمحو الذنوب محوا يزيل جميع آثارها رَحِيمٌ أي : أعامله معاملة الراحم البليغ الرحمة ، والثاني : أنه استثناء متصل . وللمفسرين فيه عبارات : قال الحسن : إنّ موسى ظلم بقتل القبطي ثم تاب فقال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ، وقال غيره : إنّ ذلك محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل ، وقال بعض النحويين : إلا ههنا بمعنى ولا ، أي : لا يخاف لديّ المرسلون ولا المذنبون التائبون كقوله تعالى : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا [ البقرة : 150 ] أي : ولا الذين ظلموا . ثم أراه الله تعالى بعد هذه الآية آية أخرى ذكرها بقوله تعالى : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ أي : فتحة ثوبك وهو ما قطع منه ليحيط بعنقك ، وكان عليه مدرعة صوف لا كم لها وقيل : الجيب القميص لأنه يجاب أي : يقطع تَخْرُجْ بَيْضاءَ أي : بياضا عظيما نيرا جدا له شعاع كشعاع الشمس ، وكانت الآية الأولى مما في يده بقلب جوهرها إلى جوهر شيء آخر حيواني ، وهذه في يده نفسها بقلب عرضها التي كانت عليه إلى عرض آخر نوراني ، ثم نفى عنها أن يكون ذلك بسبب آفة بقوله تعالى : مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي : برص ولا غيره من الآفات ، وقوله تعالى فِي تِسْعِ آياتٍ كلام مستأنف ، وحرف الجرّ فيه متعلق بمحذوف ، والمعنى : اذهب في تسع آيات إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ كقول القائل « 1 » : فقلت إلى الطعام فقال منهم * فريق تحسد الإنس الطعاما ويجوز أن يكون بمعنى وألق عصاك وأدخل يدك في تسع آيات وعدادهنّ . ولقائل أن يقول كانت الآيات إحدى عشرة آية : ثنتان منها العصا واليد ، والتسع الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس والجدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم ، وقيل : في بمعنى من أي : من تسع آيات فتكون العصا واليد من التسع ، ثم علل إرساله إليهم
--> ( 1 ) البيت من الوافر ، وهو لشمر بن الحارث الضبي في لسان العرب ( حسد ) ، وتاج العروس ( حسد ) ، والحيوان 6 / 197 ، ولسهم بن الحارث في الحيوان 4 / 482 ، ولتأبط شرا في ديوانه ص 257 ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 502 .